الجصاص

540

أحكام القرآن

قد تعبدنا فيها بتنفيذ أحكام غالب الظن . وأما الظن المباح فالشكاك في الصلاة أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه ، فلو غلب ظنه كان مباحا وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا ، ونحوه ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لعائشة : إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا بالعالية وإنك لم تكوني حزتيه ولا قبضتيه وإنما هو مال الوارث وإنما هو أخواك وأختاك ، قال : فقلت : إنما هي أسماء ! فقال : ألقي في روعي أن ذا بطن خارجة جارية . فاستجاز هذا الظن لما وقع في قلبه . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا هشام بن عمار عن عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ظننتم فلا تحققوا " ، فهذا من الظن الذي يعرض بقلب الانسان في أخيه مما يوجب الريبة فلا ينبغي أن يحققه . وأما الظن المندوب إليه فهو حسن الظن بالأخ المسلم ، هو مندوب إليه مثاب عليه . فإن قيل : إذا كان سوء الظن محظورا فواجب أن يكون حسن الظن واجبا . قيل له : لا يجب ذلك لأن بينهما واسطة ، وهو أن لا يظن به شيئا فإذا أحسن الظن به فقد فعل مندوبا إليه . قوله تعالى : ( ولا تجسسوا ) . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود عن القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا " . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب قال : أتى ابن مسعود فقيل : هذا فلان تقطر لحيته خمرا ! فقال عبد الله : " إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به " . وعن مجاهد : " لا تجسسوا خذوا بما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله " . فنهى الله في هذه الآيات عن سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة والستر ، ودل به على أنه يجب تكذيب من قذفه بالظن ، وقال تعالى : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ) [ النور : 12 ] ، فإذا وجب تكذيب القاذف والأمر بحسن الظن فقد اقتضى ذلك النهي عن تحقيق المظنون وعن إظهاره . ونهى عن التجسس بل أمر بالستر على أهل المعاصي ما لم يظهره منهم إصرار . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال : حدثنا الفريابي عن إسرائيل عن الوليد - قال أبو داود : ونسبه لنا زهير بن حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل في هذا الحديث - قال الوليد بن أبي هشام عن زيد بن زائد عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر لكم " . وحدثنا محمد بن